الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
54
مختصر الامثل
وتبيّن الآية التالية النتيجة النهائية لأعمال المؤمنين والمنافقين في جملة قصيرة ، فتقول : « لّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا » . فلا يبقى صدق وإخلاص ووفاء المؤمنين بدون ثواب ، ولا ضعف وإعاقات المنافقين بدون عقاب . وتطرح الآية الأخيرة من هذه الآيات - والتي تتحدث عن غزوة الأحزاب وتنهي هذا البحث ، فتقول في الجملة الأولى : « وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا » . « الغيظ » : يعني ( الغضب ) ويأتي أحياناً بمعنى ( الغمّ ) ، وهنا جاء مزيجاً من المعنيين ، فإنّ جيوش الأحزاب قد بذلت قصارى جهدها للانتصار على جيش الإسلام ، لكنّها خابت ، ورجع جنود الكفر إلى أوطانهم يعلوهم الغمّ والغضب . والمراد من « الخير » هنا الإنتصار في الحرب ، ولم يكن انتصار جيش الكفر خيراً أبداً ، بل إنّه شرّ ، ولمّا كان القرآن يتحدّث من وجهة نظرهم الفكرية عبّر عنه بالخير ، وهو إشارة إلى أنّهم لم ينالوا أيّ نصر في هذا المجال . وتضيف في الجملة التالية : « وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ » . فقد هيّأ عوامل بحيث انتهت الحرب من دون حاجة إلى إلتحام واسع بين الجيشين ، ومن دون أن يتحمّل المؤمنون خسائر فادحة ، لأنّ العواصف الهوجاء القارصة قد مزّقت أوضاع المشركين من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ اللَّه تعالى قد ألقى الرعب والخوف في قلوبهم من جنود اللَّه التي لا ترى ، ومن جهة ثالثة فإنّ الضربة التي أنزلها علي بن أبي طالب عليه السلام بأعظم بطل من أبطالهم ، وهو « عمرو بن عبد ودّ » ، قد تسبّبت في تبدّد أحلامهم وآمالهم ، ودفعتهم إلى أن يلملموا أمتعتهم ويتركوا محاصرة المدينة ويرجعوا إلى قبائلهم تقدمهم الخيبة والخسران . وتقول الآية في آخر جملة : « وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا » . فمن الممكن أن يوجد أناس أقوياء ، لكنّهم ليسوا بأعزّاء لا يُقهرون ، بل هناك من يقهرهم ومن هو أقوى منهم ، إلّاأنّ القوي العزيز الوحيد في العالم هو اللَّه عزّ وجل الذي لا حدّ لقدرته وقوّته ولا انتهاء . نتائج حرب الأحزاب : لقد كانت حرب الأحزاب نقطة انعطاف في تاريخ الإسلام ، قلبت كفّة التوازن العسكري والسياسي لصالح المسلمين إلى الأبد . ويمكن تلخيص النتائج المثمرة لهذه المعركة في عدّة نقاط : أ ) فشل مساعي العدو ، وتحطّم قواه .